أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

39

شرح مقامات الحريري

وأخرج اللّه بدن فرعون ميتا ، حتى عرفه بنو إسرائيل ، فهذا هو الذي غشى فرعون وجنوده من اليمّ . * * * ولم أزل أدافع عنها ولا يغني الدّفاع ، وأستشفع ولا يجدي الاستشفاع ، وكلّما رأى منّي ازدياد الاعتياص ، وارتياد المناص ، تجرّم وتضرّم ، وحرّق عليّ الأرّم ، ونفسي مع ذلك لا تسمح بمفارقة بدري ، ولا بأن تنزع قلبي من صدري ، حتى آل الوعيد إيقاعا ، والتقريع قراعا ، فقادني الإشفاق من الحين ، إلى أن قضته سواد العين ، بصفرة العين ، ولم يحظ الواشي بغير الإثم والشّين . * * * قوله : الاعتياص : أي التصعّب ، واعتاص الشّيء اعتياصا : تصعّب وتلوّى . المناص : الملجأ والمفرّ . وتجرّم : أتى الجرم . وتضرّم : اشتدّ غضبه . والأرّم : الأسنان . وحرّق : عض بعضها على بعض ، حتى صوّت ، وذلك لشدة الغيظ ، وهو مثل . آل : رجع . الوعيد : التهديد . قراعا : ضربا ، والقراع : الخبط والضرب ، والتّقريع : الأخذ باللسان ، يريد : عدّدوني ، فلما أبيت ضربوني . الحين : الموت . قضته : عاوضته وبادلته سواد العين : جاريته التي هي نور عينه . صفرة العين : لون الدنانير . لم يحظ : لم يأخذ حظوة ، وهي النصيب . والواشي : النّمام ، سمّي واشيا لاستخراجه الأخبار وتوصّله إلى معرفتها ، من قولهم : فلان يوشّي الخبر ، إذا استخرجه ؛ وقيل : سمّي واشيا لتحسينه ما ينقل من الأخبار ، وثوب موشّى : محسّن بما فيه من النّقوش . وقيل : هو من الشّية ، وهي العلامة ، كأنه جعل لنفسه علامة من الوصف القبيح ، والشين : العيب . * * * [ من قصص الجاريات المتأدبات ] وعلى وصف الجارية المذكورة بالأدب والجمال نريد أن نسوق فصلا في الجواري ذوات الأدب ممّن أهديت إلى ملك كحال هذه ، أولها معه سبب : حدث الأصمعي قال : بعث لي هارون الرشيد وهو بالرّقّة ، فحملت إليه ، فأنزلني الفضل بن الربيع ثم أدخلني عليه وقت المغرب ، فاستدناني ، وقال لي : يا عبد الملك ، وجّهت فيك بسبب جاريتين ، أهديتا إليّ ، لهما أدب ، أحببت أن تبرز ما عندهما ، وتشير عليّ بالصواب فيهما .